ابن عربي

380

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

الملازم له ، فما جاء الاسم الحي إلا والقيوم معه « لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ » صفة تنزيه عما يناقض حفظ العالم الذي لولا قيوميته ما بقي لحظة واحدة ، فنعت الحق نفسه بصفة التنزيه عن حكم السنة والنوم ، لما يظهر به من الصور التي يأخذها السنة والنوم ، كما يرى الإنسان ربه في المنام على صورة الإنسان التي من شأنها أن تنام ، فنزه نفسه ووحدها في هذه الصورة وإن ظهر بها في الرؤيا حيث كانت ، فما هي ممن تأخذها سنة ولا نوم ، فهذا هو النعت الأخص بها في هذه الآية ، وقدم الحي القيوم لأن النوم والسنة لا يأخذ إلا الحي القائم ، أي المتيقظ ، إذ كان الموت لا يرد إلا على حي ، فلهذا قيل في الحق إنه الحي الذي لا يموت ، كذلك النوم والسنة ، والسنة أول النوم كالنسيم للريح ، فإن النوم بخار وهو هواء ، والنسيم أوله ، والسنة أول النوم ، فلا يرد إلا على متصف باليقظة ، فهذا توحيد التنزيه عمن من شأنه أن يقبل ما نزه عنه ، هذا الحي القيوم ، وهو توحيد الهوية توحيد الابتداء ، لأن اللّه فيه مبتدأ ونعته في هذه الآية بصفة التنزيه ، فهو تعالى لا يغيبه شهود البرازخ عن شهود عالم الحس عن شهود عالم المعاني الخارجة عن المواد في حال عدم حصولها في البرازخ وتحت حكمه « لَهُ » الضمير يعود عليه وهو ضمير غيب « ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ » السماوات هنا ما علا والأرض هو ما سفل ، فله ما في السماوات وما في الأرض ملكا له وعبدا ، معين الحفظ لبقاء الحكم بالألوهة « مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ » شفعية الوتر بالحكم « عِنْدَهُ » ضمير غيب « إِلَّا بِإِذْنِهِ » عدم الاستقلال بالحكم دونه ، فلا بد من إذنه إذ كان ثم شفيع أو شفعاء ، والشفاعة لا تقع إلا فيمن أتى كبيرة تحول بينه وبين سعادته ، فيعلم ما في السماوات وما في الأرض من الشفعاء والمشفوع فيهم « يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ » وهو ما هم فيه « وَما خَلْفَهُمْ » وهو ما يؤولون إليه « وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ » بالأشياء « إِلَّا بِما شاءَ » منها لا بكلها ، فبيّن الحق في هذه الآية أن العقل وغيره ما أعطاه من العلم إلا ما شاء ، وما ذكر عن أحد من نبي ولا حكيم أنه أحاط علما بما يحوي عليه حاله في كل نفس نفس إلى موته ، بل يعلم بعضا ولا يعلم بعضا ، مع علمنا بأن اللّه عزّ وجل أوحى في كل سماء أمرها ، وأن اللّه أودع اللوح المحفوظ علمه في خلقه بما يكون منهم إلى يوم القيامة ، ولو سئل اللوح المحفوظ ما فيك أو ما خط القلم فيك من علم اللّه عزّ وجل ؟ ما علم ، فإن اللّه أودع ذلك كله في نظره لمن هو دونه ، ولا يعلم ما يكون عن الأثر إلا اللّه ، فإن الأثر